الأسبوع العربي

“ربّوا الآباء قبل الأبناء… حين ضاعت البوصلة من يد الأسرة”

 

كتبت/ نعمة حسن

في زمنٍ تهاوت فيه القيم أمام إغراء الشاشات، وذاب الحياء في زحمة الصخب، أصبح السؤال الأخطر ليس: كيف نُربي أبناءنا؟
بل: من يُربي الآباء والأمهات؟

فقد وُلدت أجيال جديدة من أمهاتٍ لا يعرفن الحياء كما عرفته أمهاتُ الأمس، وآباءٍ لا يدركون معنى الرجولة إلا في الصوت العالي أو المظاهر الفارغة.
بين أمٍّ تلهث خلف الموضة والضجيج، وأبٍ غارقٍ في اللهو والمظاهر، ضاع الأبناء بين جيلٍ لم يتربَّ وجيلٍ لم يجد من يربيه.

أولًا: حين تُطفئ الأم نورها، يتيه البيت كلّه

الأم هي المدرسة، بل الكون الأول الذي يتعلم فيه الإنسان معنى الرحمة والتهذيب والاتزان.
لكن حين تفقد الأم أدوات الذوق والأدب، وحين تُصبح القدوة في اللامبالاة والسطحية،
يتحوّل البيت إلى مسرح صاخب بلا موسيقى، إلى جسدٍ بلا قلب.

كيف ننتظر من أمٍّ تقضي يومها في السوشيال ميديا،
تُربي طفلًا يعرف الصدق والانضباط؟
كيف لامرأة فقدت لُبّ القيم أن تُغرس في طفلها جذور الإيمان والاحترام؟

لقد آن الأوان أن تُربّى الأم قبل أن تُمنح لقب أم.
أن تتعلّم أن التربية ليست طعامًا وملبسًا فقط، بل منظومة وعي وسلوك ووجدان.

ثانيًا: حين يغيب الأب، يحضر الضياع

الرجولة ليست صراخًا ولا قسوة، بل مسؤولية وصبر وقيادة بالقدوة.
ومأساتنا اليوم أن كثيرًا من الآباء يريدون أبناءً ناجحين، وهم أنفسهم لم يتعلموا النجاح.
يريد أن يكون ابنه قائدًا، وهو لم يعرف يومًا معنى الانضباط.
يطلب من ولده الاحترام، وهو لا يحترم زوجته ولا وقته ولا نفسه.

فكيف يزرع في ابنه ما لم يزرعه في ذاته؟
وكيف نُعلي صوت القدوة في مجتمعٍ صامت أمام انحدار الكبار؟

ثالثًا: جيل يلهث خلف المظاهر وينسى الجوهر

لقد تغيّر وجه الأسرة، وتبدّل ترتيب الأولويات.
صار همّ البنت والولد اليوم “الصحاب والخروج والمطاعم والبراندات”،
وصارت “اللمة” العائلية عبئًا ثقيلًا على وقتهم،
بينما كانت في زمنٍ قريب أقدس لحظة في اليوم هي السفرة التي تجمع الجميع.

الآن أصبحت السفرة فارغة،
وكل شخص يأكل بمفرده أمام شاشة أو هاتف أو صمتٍ بارد،
فضاع الدفء الذي كان يجمع القلوب قبل أن يجمع الأطباق.

لقد غاب الحوار، وساد الضجيج،
واستبدلنا العزّة بالتقليد، والعائلة بالصداقات العابرة، والدفء بالسطحية.

إنها ليست أزمة طعامٍ أو موضة، بل أزمة هوية وأخلاق.

رابعًا: حين تُربَّى الأجيال على الوعي، تستيقظ الأمم

المطلوب ليس جيلًا يعرف القراءة والكتابة،
بل جيلًا يعرف الأدب، ويملك الضمير، ويحترم الكلمة.
جيلًا يعي أن التربية ليست فرضًا على الأبناء، بل مسؤولية الكبار أولًا.

فلن ننهض حتى نُعلّم الأم معنى القدوة،
والأب معنى الرجولة،
والشاب معنى المسؤولية،
والفتاة معنى الاحترام.

حينها فقط، سيولد جيل لا يخجل من الخُلق، ولا يُساوم على القيم.

وهنا اضع قلمي لأقول :
أعيدوا تربية من يُربّون

قبل أن نبني مدارس للأبناء، علينا أن نبني وعيًا للآباء.
قبل أن نطالب الطفل بالأدب، علينا أن نعيد للبيت أدبه.
فالأمم لا تسقط حين يضعف اقتصادها، بل حين تتآكل قيمها في صمتٍ مريب.

ربّوا الأمهات قبل أن يُصبحن أمهات.
ربّوا الآباء قبل أن يُنجبوا أبناء.
عندها فقط، سيعود للأخلاق وطن، وللأوطان أخلاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى